إذا كنت تتساءل لماذا يرتفع سهم فجأة ويهبط آخر دون سابق إنذار، فالجواب ببساطة يكمن في قاعدتين ذهبيتين تحكمان كل الأسواق: العرض والطلب. هما المحرك الحقيقي للسعر، والعنصر الذي يختصر سلوك المستثمرين والمضاربين معًا. في هذا المقال سنقدّم لك شرحًا متدرّجًا ومبسطًا لمفهوم العرض والطلب في الأسهم، كيف يتكوّن السعر لحظة بلحظة، وكيف يمكنك كمستثمر أو متداول استخدام هذا الفهم لتحديد نقاط الدخول والخروج بدقة، مع أمثلة عملية واستراتيجيات واقعية.
أولاً: ما هو العرض والطلب؟
العرض يعني عدد الأسهم المعروضة للبيع عند أسعار معينة، بينما الطلب يمثل عدد الأسهم التي يرغب المشترون في اقتنائها. يتقاطع الجانبان عند ما يسمى سعر التوازن، وهو السعر الذي يتم عنده تنفيذ الصفقة بين البائع والمشتري.
إذا زاد الطلب على العرض، سيرتفع السعر. أما إذا زاد العرض على الطلب، فسيهبط السعر. هذه القاعدة البسيطة تشكّل الأساس لكل حركة سعرية تشاهدها في السوق، مهما بدت معقدة.
ثانيًا: كيف يتحدد السعر لحظة بلحظة؟
يتم تحديد السعر من خلال ما يُعرف بـ دفتر الأوامر (Order Book) الذي يعرض أوامر البيع والشراء الجارية:
- أفضل عرض (Best Ask): أقل سعر يرغب البائع في البيع عنده.
- أفضل طلب (Best Bid): أعلى سعر يرغب المشتري في دفعه.
- السبريد (Spread): الفرق بين أفضل عرض وأفضل طلب، وكلما ضاق كان السوق أكثر سيولة.
مثال عملي: إذا كان أفضل طلب عند 50 ريالًا وأفضل عرض عند 50.10 ريال، فزيادة أوامر الشراء ستؤدي إلى تنفيذ أوامر البيع بسرعة، ليتحرك السعر إلى مستويات عرض أعلى.
ثالثًا: لماذا يتحرك السعر بقوة أحيانًا؟
قد تشهد الأسهم تحركات حادة لأسباب محددة منها:
- أخبار مفاجئة: إعلان أرباح إيجابية أو عقد جديد يرفع الطلب بشكل كبير.
- قلة السيولة: في الأسهم الصغيرة قد يسبب أمر شراء ضخم ارتفاعًا سريعًا للسعر.
- عمليات بيع جماعية: بعد ارتفاع طويل، يبدأ المستثمرون بجني الأرباح فيزداد العرض ويهبط السعر.
رابعًا: مناطق العرض والطلب (Supply and Demand Zones)
هي مناطق سعرية تشهد اختلالًا واضحًا بين البائعين والمشترين، أدّى إلى تحرّك قوي للسعر صعودًا أو هبوطًا.
- منطقة الطلب: منطقة انطلق منها السعر صعودًا بقوة بسبب زيادة المشترين.
- منطقة العرض: منطقة هبط منها السعر بسبب تفوق البائعين على المشترين.
كيف تحدد هذه المناطق على الرسم البياني؟
- ابحث عن شموع اندفاعية طويلة تدل على تحرك قوي في السعر.
- ارجع إلى منطقة التجمّع السابقة لتلك الشموع.
- قم بتظليل النطاق بين أعلى وأدنى تلك الشموع، فهذه هي المنطقة التي حدث منها الانطلاق.
تُعد هذه المناطق نقاطًا مثالية لاحتمال انعكاس السعر في المستقبل، إذ يميل المتداولون إلى الشراء من مناطق الطلب والبيع من مناطق العرض.
خامسًا: الإطار الزمني المناسب
| نوع المتداول | الإطار الزمني | المميزات |
|---|---|---|
| المستثمر طويل الأجل | أسبوعي / شهري | يُظهر الاتجاهات الكبرى والمناطق القوية |
| المتداول المتوسط (Swing) | يومي / 4 ساعات | توازن بين القوة والتكرار |
| المضارب اليومي | 15 – 5 دقائق | كثرة الفرص ولكن مع ضوضاء أكبر |
سادسًا: الفرق بين العرض والطلب والدعم والمقاومة
- الدعم والمقاومة: خطوط أفقية تعتمد على القمم والقيعان السابقة.
- العرض والطلب: نطاقات أوسع تمثل تجمعات أوامر حقيقية.
- عندما تتطابق منطقة طلب مع مستوى دعم، تزداد قوتها بشكل كبير.
سابعًا: قراءة الحجم والسيولة
حجم التداول والسيولة هما الأدوات المكملة لفهم العرض والطلب:
- ارتفاع الحجم قرب منطقة معينة يشير إلى دخول مؤسسات أو محافظ كبيرة.
- السيولة المرتفعة تسهّل تنفيذ الأوامر وتضيق السبريد.
- تفاعل السوق مع الأخبار يظهر بوضوح من خلال تغيّر الحجم والسعر معًا.
ثامنًا: استراتيجيات عملية باستخدام العرض والطلب
1️⃣ الشراء من منطقة طلب مؤكدة
- حدّد منطقة طلب على الإطار اليومي.
- انتظر عودة السعر إليها بحجم منخفض.
- ادخل بعد ظهور شمعة رفض قوية تؤكد عودة الطلب.
- الوقف: أسفل المنطقة مباشرة. الهدف: منطقة عرض تالية.
2️⃣ البيع من منطقة عرض نشطة
- حدد منطقة عرض واضحة.
- انتظر صعود السعر إليها وظهور شمعة رفض.
- ادخل بيعًا بهدف منطقة طلب أدنى.
3️⃣ استراتيجية الاختراق وإعادة الاختبار (Breakout – Retest)
- عند اختراق نطاق تماسك قوي، يتحول سقفه إلى منطقة طلب جديدة بعد إعادة الاختبار.
- تُعد هذه النقطة من أكثر فرص التداول شيوعًا وفاعلية.
قاعدة ذهبية: لا تطارد السعر بعد الاندفاع. الأفضل دائمًا انتظار عودته إلى منطقة عرض أو طلب مؤكدة.
تاسعًا: إدارة المخاطر
نجاحك لا يعتمد فقط على التحليل، بل على الانضباط في إدارة رأس المال:
- خاطر بنسبة لا تتجاوز 2% من رأس المال في الصفقة الواحدة.
- استخدم أوامر وقف الخسارة الحقيقية دائمًا.
- نوّع استثماراتك ولا تكدّس صفقات في نفس القطاع.
- تقبّل الخسائر الصغيرة كجزء من النظام، وركز على النتائج طويلة المدى.
عاشرًا: أخطاء شائعة يجب تجنبها
- رسم مناطق عرض وطلب واسعة جدًا.
- الدخول دون تأكيد شموعي أو سلوكي.
- تجاهل إشارات الحجم والسيولة.
- نقل وقف الخسارة بطريقة عشوائية.
- الاعتماد على المناطق وحدها دون تحليل الاتجاه العام.
مثال رقمي مبسّط
افترض أن هناك منطقة طلب بين 48–49 ريالًا دفعت السعر إلى 54. بعد فترة عاد السعر إلى المنطقة ذاتها بحجم منخفض:
- الدخول: عند 49 ريال.
- الوقف: أسفل 48.3 ريال (مخاطرة 0.7 ريال).
- الهدف الأول: 51.5 ريال (ربح 2.5 ريال – بنسبة عائد/مخاطرة 1:3.6).
بمجرد وصول السعر إلى 50.5 ريال، يمكن نقل الوقف إلى نقطة الدخول لحماية الأرباح.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
هل يمكن الاعتماد فقط على العرض والطلب؟
يُفضّل استخدامه مع أدوات أخرى مثل الحجم والاتجاه العام للحصول على إشارات أكثر دقة.
كيف أعرف قوة المنطقة؟
قوة الاندفاع، وعدد مرات اللمس (كلما كانت أقل كان أقوى)، والإطار الزمني الأكبر تدل على منطقة أقوى.
هل تصلح الطريقة لكل الأسواق؟
نعم، المفهوم عالمي لكنه يحتاج إلى تكييف مع خصائص كل سوق (مثل التذبذب والسيولة).
ماذا أفعل عند كسر المنطقة؟
اخرج من الصفقة مباشرة حسب الخطة، ثم راقب إن كانت المنطقة ستتحول من طلب إلى عرض والعكس.
ما نسبة العائد إلى المخاطرة الجيدة؟
استهدف دائمًا 1:2 كحد أدنى، ويفضّل 1:3 في الفرص القوية.
الخلاصة
فهم العرض والطلب هو الخطوة الأولى لتصبح متداولًا محترفًا. عندما تدرك كيف تتكوّن الأسعار، ستتوقف عن ملاحقة السوق عشوائيًا وتبدأ في انتظار الفرص الذكية. ركّز على المناطق القوية، طبّق إدارة المخاطر بدقة، وكن صبورًا — فالسوق يكافئ من يفهم قواعده ويحترمها.
تذكّر: النجاح في التداول ليس في التنبؤ بالسعر، بل في الانضباط باتباع المنهج.